المبحث الثاني: إثبات وجود الجن
أثبت القرآن الكريم في مواضع متعددة على وجود عالم الجن، فوجب الإيمان بوجودهم إيماناً جازماً، كما قال تعالى:﴿ وما خلقت الجن والإنس إلاّ ليعبدون ﴾[1]. وقال تعالى أيضاً: (( يا معشرالجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطارالسموات والأرض فانفذوا لاتنفذون إلاّ بسلطان)[2].
هاتين آيتين تدلا على أن لكل مسلم أن يؤمن بالجن بأنهم عالم حقيقي ليس وهمياً تخيلياً ولا نفساً بشرية شريرة، وليس هو من البشرية الخبيثة، ولا من نوع الجراثيم المكروبية الضارة، فإن جميع هذه الأوهام والأفهام حول الجن هي تحريف لكلام الله تعالى عن معانيه المرادة منه، وصرف له عن الوجه المخبر عنه إلى وجه آخرهو في معزل عنه، وإنما الجن عالم غيبي حقيقي الوجود له شأنه وأحكامه، وذلك لا مجال للتكذيب بعالم الجن. والله أعلم.
المطلب الأول : لامجال للتكذيب بعالم الجن
أنكرت قلة من الناس زجود الجن إنكاراً كلياً ، وزعم بعض المشركين: أن المراد بالجن أرواح الكواكب[3].
وزعم طائفة من الفلاسفة : أن المراد بالجن نوازع الشر في النفس الإنسانية وقواعدها الخبيثة ، كما أن المراد بالملائكة نوازع الخير فيها.
وزعم فريق من المحدثين ﴿ بفتح الدال المخففة ﴾ : أن المراد بالجن هم الجراثيم والميكروبات التي كشف عنها العلم الحديث.
وقد ذهب الدكتور محمد البهي إلى : أن المراد بالجن الملائمة، فالجن والإنس عنده عالم واحد لا فرق بينهما، ومما استدل به : أن الملائكة مستترون عن الناس، إلا أنه أدخل في الجن من يتخفى من عالم الإنسان في إيمانه وكفره، وخيره وشره[4].
وغاية ما عند هؤلاء المكذبين أنه لا علم عنهم بوكودهم ، وعدم العلم ليس دليلاً لهم أن يحتجوا بما ثبت في صحيح البخاري عن ابن عباس أنه كان ينكر مخاطبة الرسول للجن وتكليمهم له، وهذا مما نعاه الله على الكفرة ، لقوله تعالى: ﴿ بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ﴾[5]. وهذه المخترعات الحديثة التي لا يستطيع أحد أن يكابر فيها، أكان يجوز لإنسان عاش منذ مئات السنين أن ينكر إمكان حصولها لو أخبره صادق بذلك[6].
المطلب الثاني: الأدلة الدالة على وجود الجن
جاءت نصوص كثيرة تدل على وجودهم، يمكن أن أذكربعضها مايلي:
أولاً: الأدلة من القرآن
1. ﴿ وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن يستمعون القرآن ﴾[7].
2. ﴿ يامعشرالجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم ءايتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا ﴾[8].
2. ﴿ قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآناً عجباًً ﴾[9].
3. ﴿ وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا ﴾[10].
ثانياً: الأدلة من السنة
1. روى مسلم في صحيحه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة ففقدناه، فالتمسناه في الأودية والشعاب، فقلنا: استطير أو اغتيل، فبتنا بشر ليلة بات بها قوم. فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراء.
قال: فقلنا: يارسول الله فقدناك فطلبناك فلم نجدك فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فقال: ﴿ أتاني داعي الجن فذهبت معه فقرأت عليهم القرآن﴾، قال: فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثارنيرانهم .
وسألوه عن الزاد فقال: لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر مايكون لحماً، وكل بعرة علف لدوابكم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿ فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام إخوانكم ﴾[11].
2. عن أبي سعيد الخدري رضي الله عمه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿ إني أراك تحب الغنم والبادية فإذا كنت في غنمك وباديتك فأذنت بالصلاة فارفع صوتك بالنداء فإنه لا يسمع صدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة﴾[12].
المطلب الثالث: الرد على الذين يزعمون أن الجن هم الملائكة
سبق أن ذكرنا الحديث الذي يخبر فيه الرسول صلى الله عليه وسلم:﴿ أن الملائكة خلقوا من نور، وأن الجن خلقوا من نار ﴾. ففرق الرسول صلى الله عليه وسلم بين الأصلين ، وهذا يدل على أنهما عالمان لا عالم واحد.
ومن نظر في النصوص المتحدثة عن الملائكة والجن ، أيقن بالفرق الكبير بينهما، فالملائكة لا يأكلون ولا يشربون، ولا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون مايؤمرون ، بخلاف الجن يكذبون ويأكلون ويشربون ، ويعصون ربهم ، ويخالفون أمره .
ومن هنا ينبغي أن نرد على الذين يزعمون أن الجن هم الملائكة، ونقول لهم أن هما عالمان محجوبان عنا ، لا تدركهما أبصارنا ، ولكنهما عالمان مختلفان في أصلهما وصفاتهما[13].
[1] الذاريات، الآية:56
[2] الرحمن، الآية: 33
[3] ابن تيميةمجموع الفتاوى ،،جمعوترتيبعبدالرحمنبنقاسموابنهمحمد، الرئاسةالعامةلإداراتالبحوثالعلميةوالإفتاءوالدعوةوالإرشاد،الرياض، 1398هـ) ج4،ص346.
[4]تفسير سورة الجن، ص 8
[5]سورة يونس: آية 39
[6] انظر: عالم الجن والشياطين، للدكتورعمرسليمان الأشقر، دارالنفائس للنشروالتوزيع ـ الأردن ط12، 1421هـ ـ 2000م. ص13 ـ14.
[7] الأحقاف، الآية:29.
[8] الأنعام:آية 130
[9] الجن، الآية:1
[10] الجن، الآية:6
[11]رواه مسلم 4/169.
[12]رواه البخاري، في باب ذكرالجن وثوابهم وعقابهم, رقم:58
[13]