طعام الجن وشرابهم ونكاحهم

المبحث الثالث: طعام الجن وشرابهم ونكاحهم

 

المطلب الأول: طعامهم وشرابهم

 

            إن الأحاديث الصحيحة صريحة في أن الجن يأكلون ويشربون، ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه كان يحمل مع النبي صلى الله عليه وسلم إداوة لوضوئه وحاجته، بينما هويتبعه بها فقال: من هذا؟ فقال: أنا أبو هريرة، فقال: ﴿  أبغني أحجاراً أستنهض بها، ولا تأتني بعظم ولا بروثة ﴾. فأتيته بأحجار أحملها في ثوبي حتى وضعت إلى جنبه، ثم انصرفت، حتى إذا فرغ مشيت معه فقلت: ما بال العظم والروثة؟

قال:" هما من طعام الجن وأنه أتاني وفد جن نصيبين ـ ونعم الجن ـ فسألوني الزاد فدعوت الله لهم أن لا يمروابعظم ولا بروثة إلا وجدوا عليها طعماً"[1].

وروى مسلم في صحيحه عن ابن عمررضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ﴿ إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه، وإذا شرب فليشرب بيمينه، فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله ﴾[2].

 

      وقد اختلف في أكل الجن ومشربهم إلى ثلاثة أقوال:

 

القول الأول: أن جميع الجن لا يأكلون ولا يشربون، وهذا قول باطل لا دليل عليه.

 

القول الثاني : أن صنفاً منهم يأكلون ويشربون وصنفاً لا يأكلون ولا يشربون،وهؤلاء استدلوا بما رواه ابن عبد البر عن وهب بن منبه قال: الجن أصناف فخالصهم ريح لا يأكلون ولا يشربون ولايتوالدون وجنس منهم يقع منهم ذلك ومنهم السعالي والغول والقطرب... ﴾.

القول الثالث: أن جميعهم يأكلون ويشربون، وهؤلاء استدلوا الأحاديث التي ذكرت في المبحث الثالث، عن طعام الجن وشرابهم[3]، والله أعلم .

 

المطلب الثاني : التزاوج بين الجن والإنس

 

              اختلف العلماء في هذه القضية على قولين:

  القول الأول : أن التناكح بين الجن والإنس أمر ممكن، على الرغم مما بينهما من الإختلاف.

      وقد قال بهذالرأي جماعة من العلماء منهم : مجاهد والأعمش، وهو أحد الروايتين نع الحسن وقتادة، وبه قال جماعة من الحنابلة والحنفية، والإمام مالك وعيرهم، وقد استدلوا بذلك مايلي:

 

 1  . في قوله تعالى في سورة الرحمن: ﴿ فيهن قاصرات الطرف لم يطمثهنَّ إنس قبلهم ولاجان﴾[4].    ووجه الاستدلال بهذه الآية: أن الله تعالى قد نفي أن يكون واقع نساء الجنة قبل أزواجهن فيها أحد من الإنس أو وقاع الإنس لنساء الجن، وقال ابن جرير الطبري: ﴿ وعني بالطمث هنا أنه لم يجامعهن إنس قبلهم ولا جان ﴾[5].

 

     وقال الألوسي: ﴿ ونفي طمثهن عن الإنس ظاهر، وأما عن الجن فقال مجاهد والحسن: قد تجامع الجن نساء البشر مع أزواجهن إذا لم يذكرالزوج اسم الله تعالى، فنفي هنا جميع المجامعين، وقيل: لا حاجة إلى ذلك، إذ يكفي في نفي الطمث عن الجن إمكانه منهم، ولا شك في إمكان جماع الجني إنسانية، بدون أن يكون مع زوجها الغير الذاكر اسم الله تعالى﴾[6].

  

وقال الفخر الرازي: ما الفائدة في ذكرالجان، مع أن الجان لا يجامع؟ فنقول: ليس كذلك، بل الجن لهم أولاد وذريات، وإنما الخلاف في أنهم: هل يواقعون الإنس أم لا ؟ والمشهور أنهم يواقعون، وإلا لما كان في الجنة أحساب ولا أنساب، فكأن مواقعة الإنس إياهن كمواقعة الجن من حيث الإشارة إلى نفيها ﴾[7].

 

وقال ابن الجوزي في قوله تعالى: ﴿ لم يطمثهن إنس قبلهم ولاجان ﴾ وفي الآية دليل على أن الجني يغشى المرأة كالإنسي﴾[8].

 

2. قوله تعالى في سورة الإسراء: ﴿ واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غروراً﴾[9].

        ووجه استدلالهم بهذه الآية: أن مشاركة الشيطان للإنسان في الأولاد هي جماعة معهم، إذا لم يسمِّ الرجل عند اتيان أهله.

        وقد اعتمدوا في تفسير بهذه الآية على أحاديث وآثار في هذه القضية هي:

(أ‌)     أخرج ابن جرير وغيره عن مجاهد قال: قال رسول الله : ﴿ إذا جامع الرجل

أهله فلم يسم انطوى الجان على ا حليه فجامع معه﴾[10]. فهذا هوالمقصود من مشاركة الشيطان للإنس في الآية السابقة[11].

(ب‌)           روت عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله  : ﴿ إن فيكم مغربين، قلت يارسول الله: وما المغربون ؟ قال: الذين يشترك فيهم الجن﴾

قال ابن الأثير : ﴿ سموا مغربين لأنه دخل فيهم عرق غريب ﴾[12].

 

  القول الثاني: عدم إمكان وقوع النكاح بين الجن والإنس لاختلاف جنسيهما.

            وقد استدل هؤلاء على قولهم بما يلي:

1.    قوله تعالى: ﴿ ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة ﴾[13].

ووجه الاستدلال بالآية: أن الله تعالى قد امتن على عباده بأن جعل لهم أزواجاً من جنسيتهم ونوعهم وعلى خلقهم، والمودة تستدعى الجماع، والرحمة هي الولد، ومعنى السكن في الآية:هي الارتياح والقرار، وكيف يسكن الإنسي إلى جنية وهي من نار ؟

وعلى هذا فإن حصول المقصود من النكاح قد انتفى في نكاح الإنسي جنية أو العكس[14].

 

وقد أجاب هؤلاء بأدلة إلى مايلي:

(أ‌)           أن قوله تعالى: ﴿ وشاركهم في الأموال والأولاد ﴾  لا يدل على وقوع التناكح بين الجن والإنس، وإنما المقصود من ذلك قال به جمهور المفسرين: ﴿ أن مشاركتهم هي الإغواء بالحمل على كسب الحرام، والتصرف والإنفاق في الحرام، والإغواء بالحمل على التوصل إلى الولد بالسبب المحرم، والإشراك فيه كتسميته بعيد العزى، والحمل على العقائد الباطلة والأفعال القبيحة والحرف الذميمة ﴾[15].

قال الإمام الطبري: ﴿ وقد اختلف أهل التأويل في صفة شركته بني آدم في أولادهم، فقال بعضهم: وشركته إياهم فنيه بزناهم بأمهاتهم ﴾ . وقد ذكر أقوالاً في ذلك منها:

 قول ابن عباس في قوله تعالى: ﴿ وشاركهم في الأموال والأولاد ﴾ قال: أولا الزنا، وكذلك ذكره مجاهد والضحاك.

 

وقال آخرون: عنى بذلك وأدهم أولادهم وقتلهموهم، وقد ذكر ابن عباس قال: ما قتلوا من أولادهم وأتوا فيهم الحرام، وقال آخرون: بل صبغهم إياهم في الكفر. وعن الحسن: قد والله شاركهم في أموالهم وأولادهم، فمجَّسوا وهوَّدا ونصّروا وصبغوا غير صبغة الإسلام، وجزءوا جزءاً من أموالهم للشيطان.

وقال آخرون: بل عنى بذلك تسميتهم أولادهم عبدالحارث وعبد شمس.

 وقال الطبري: ﴿ وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: كل ولد ولدته أثنى عصى الله بتسميته مايكرهه الله، أو بإدخاله في غير الدين الذي ارتضاه الله، أو بالزنا بأمه، أوغير ذلك من الأمورالتي يعصى الله بها، لأن الله لم يخصص بقوله: ﴿ وشاركهم في الأموال والأولاد) معنى الشركة فيه بمعنى دون معنى، فكل ما عصى الله فيه أو فهو مشاركة من عصى الله فيه أوبه، ابليس فيه ))[16].

 هذه هي اعتراضات المنكرين لتناكح الجن والإنس على أدلة المثبتين له، وهي في مجملها تدور حول إنكار العقل لحدوث مثل هذه العلاقات بينهما، وذلك لاختلاف طبيعة كل منهما عن الآخر.

  

  القول الراجح :

                 وبعد ما عرفنا هذه القضية لأدلة الطرفين من المثبتين والمنكرين لتناكح الجن والإنس يتبين لنا رجحان القول بإمكان وقوع وقوع التناكح بينهما، وذلك لما تقدم من الأدلة وهي:

1.    أن الجن لم يبقوا على عنصرهم الناري، وإن كان له أثر في بعض صفاتهم، بلقد استحالوا عنه بالأكل والشرب، والتوالد والتناسل، كما استحال بنو آدم عن عنصرهم الترابي، ويظهر ذلك أن رسول الله  قد وجد برد لعاب الشيطان على يده الشريفة عندما جاءه ليقطع عليه الصلاة كما تقدم معنا، ولو بقوا على عنصرهم الناري فمن أين جاء البرد ؟

2.    وأما ماورد من النهي عن هذالنكاح وكراهية كثير من العلماء له، فإنه لا يدل على عدم الإمكان من وقوع التناكح بين الجن والإنس، إذ أن قولهم بالكراهة دليل على إمكانه، لأن غير الممكن لا يحكم عليه بجوازه ولا بعدمه في الشرع.

3.    وإذاكان المانع عند بعضهم عدم حصول المقصود من هذالنكاح وهو السكن والولد، فإنما ذلك لأن الله امتن علينا بأن جعل لنا من أنفسنا أزواجاً لنسكن إليها، وجعل بيننا المودة والرحمة، والجن ليسوا من أنفسنا، فلم يجعل منهم أزواجاً لنا، فلا يكون لنا أزواجاً لفوات المقصود من حل النكاح من بني آدم، وهو سكون أحد الزوجين إلى الآخر، إلا أن تكون هذه العلاقة عن عشق وهوى من الإنس والجن، فيكون إقدام الإنسي على نكاح الجنية للخوف على نفسه، وكذلك العكس، إذ لم يقدموا على ذلك لآذوهم وربما قتلوهم، فيكون الإنسان في قلق وعدم طمأنينة، وهذا يعود على مقصود النكاح بالنقض.

 

والمودة والرحمة التي تحصل بنكاح الإنسي لإنسية لا تحصل بسبب التقاء الجن من الإنس بالزواج من بعضهما لتباين طباعتهما، وهذا لا يوجب امتناع علاقة بينهما لسبب أو لآخر[17].

                     وقد أثبت الواقع أن بعض الحيوانات تناكح مع بعضها على الرغم من تباين الجنسين، مع أن التقارب بين الجن والإنس أكمل وذلك بسبب تشكل الجن بصور الإنسان، فقد تشكل بعض الجنيات بأجمل صورالنساء مما يجعل ذلك دافعاً لبعض الإنس لتناكحهن، فيكون تلاقيهما على هذا الأساس ممكناً.   والله أعلم.



[1]رواه البخاري ، 7/171. ورقمه:3860

[2] رواه مسلم : 3/1598 . ورقمه: 2020.

[3] اسماعيل محمد حسن، الرقية الشرعية والطب وعلاج المسحور. دارالكتب العلمية بيروت ـ لبنان.ط1 1424هـ ـ 2003م.  ص: 9ـ10.

 

[4] سورة الرحمن: آية 56.

[5] الطبري جامعالبيان،ا،(مصطفىالحلبي،مصر، 1373هـ ج27،ص 87.

[6] الألوسي ،روح المعاني، إحياءالتراثالعربي،بيروت،ج27ص119

[7] الرازي، التفسير الكبير 29/130.

[8]الجوزي، زاد المسير، في علم التفسير (المكتبالإسلامي،بيروت)  ج8،ص122.

[9] سورة الإسراء: آية 64.

[10]أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره 27/ 88  عن عثمان بن الأسود عن مجاهد ط1، سنة 1328. المطبعة الكبرى الأميرية/ القاهرة. وأخرجه الحكيم الترمذي في نوادر الأصول ص 243.

[11]             الدتور عبدالكريم نوفان عبيدات، المرجع السابق، ص328 .

[12]             ابن الأثير في النهاية في غريب الحديث 3/349.

[13]     &nbsp