وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ

( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ) (107) الأنبياء .الرحمة : رقة تقتضي الإحسان إلى المرحوم ، وقد تستعمل تارة في الرقة المجردة وتارة في الإحسان المجرد عن الرقة نحو : رحم الله فلاناً . وإذا وصف به الباري فليس يراد به إلا الإحسان المجرد دون الرقة ، وعلى هذا روي أن الرحمة من الله إنعام وإفضال ، ومن الآدميين رقة وتعطف … والرحمة منطوية على معنيين : الرقة ، والإحسان فركز تعالى في طبائع الناس الرقة ، وتفرد بالإحسان . ( المفردات للراغب )وصف المولى سبحانه بالرحمة الرحمانية والرحمة الرحيمية والأولى عامة والثانية خاصة . النبي الرحيموكما أن الله سبحانه وتعالى وصف نفسه بالمغفرة والرحمة الرحيمية في أكثر من آية : ( إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) (173) سورة البقرة .كذلك وصف نبيه  صلى الله عليه وآله وسلم بكونه رحيماً بعباده المؤمنين ومعنى كونه رحيماً أي يتكرر منه العطف والرحمة والرقة للمؤمنين قال تعالى : ( لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ) سورة التوبة(128) .هذا الرسول الذي جاءكم من قبل الله سبحانه وتعالى هو من أنفسكم ومن بين قومكم ومن البشر مثلكم ولكن يتصف بصفات عزيزة ونادرة صفات مكارم الأخلاق ، وهذه الصفة أنه يشق عليه ضركم وهلاككم وأنه حريص عليكم جميعاً من مؤمن أو غير مؤمن ولكنه رؤوف رحيم بالمؤمنين .فإن العنت : هو الضرر والهلاك . والمراد بالعزيز أي النادر فيكون المعنى أنه صعب عليه هلاككم . وقلبه رقيق عليكم ورحيم بكم ، فرسول الله صلى الله عليه وآله قلبه العطوف الرحيم الودود بالآخرين ، فهو متخلق بأخلاق الله ومتصف بصفة الله سبحانه الذي قال : ( وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ )سورة الأعراف(156) .  إن هذا القلب الطاهر النقي الذي كان يحمله رسول الله صلى الله عليه وآله انفتح على كل البشرية من المؤمنين والكافرين وكان حريصاً عليهم ورؤوفاً رحيماً بالمؤمنين ، بل هو خير وبركة حتى لأعدائه . قال تعالى : ( وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ ) سورة التوبة(61) فهو خير لمن لا يؤمن به .  رحمة للعالمين وأي رحمة هذه الذي أخرج العالم من الظلمات إلى النور بل أحياهم من العدم إلى الوجود من عدم الكفر والضلال إلى وجود الإيمان والإسلام ، وقد قام بأعباء الرسالة وبلغها على أحسن وجه ولم يخش أحداً إلا الله سبحانه ، حتى ختمت النبوة به بعد أن أصبح أهلاً لهذه الخاتمية ، فالأنبياء السابقون لهم كشف وبسط للحقائق والمعارف ولكن ليس على نحو الإطلاق ، ولكن الرسول الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم له هذا الكشف والبسط بشكل مطلق فقد انكشفت له جميع الحقائق بعد أن كان أهلاً لها فختمت النبوات به .